قال موقع "ريبابليك وورلد" الحرب الأمريكية – الإسرائيلية، إن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران قد تبدو صراعًا جيوسياسيًا تقليديًا تحركه مخاوف أمنية وحسابات نووية وتحالفات إقليمية، لكن وراء العقيدة العسكرية والردع الاستراتيجي يكمن احتمال أعمق وأكثر إزعاجًا: الظهور التدريجي لما يُمكن وصفه بحملة صليبية حديثة.

 

وأضاف: "ليست حملة صليبية بالمعنى الذي كان سائدًا في العصور الوسطى، حيث كان الفرسان الأوروبيون يسيرون تحت رايات البابا باتجاه القدس، بل هي حملة صليبية جيوسياسية - صراع طويل الأمد من أجل الهيمنة بين بنية قوة غربية متجذرة تاريخيًا في الحضارة المسيحية، والبنية السياسية للعالم الإسلامي".

 

وتابع: "لطالما كان الشرق الأوسط أكثر من مجرد منطقة على الخريطة، فهو ملتقى الأديان والطاقة والقوة. إنه مهد اليهودية والمسيحية والإسلام، ثلاث ديانات شكلت رواياتها اللاهوتية المخيلة الأخلاقية والسياسية لمليارات البشر عبر القرون. وفي الوقت نفسه، تحتضن المنطقة شرايين الاقتصاد العالمي الحديث. فالخليج العربي يضم جزءًا كبيرًا من احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، ومضيق هرمز لا يزال أحد أهم الممرات البحرية الحيوية التي تتدفق عبرها الطاقة العالمية".

 

ورأى أن من يؤثر في الشرق الأوسط لا يؤثر فقط على الرمزية الروحية للجغرافيا المقدسة، بل يؤثر أيضًا على الآلية الاقتصادية للعالم الحديث.

 

القوى الغربية والبنية السياسية للمنطقة

 

وعلى مدى عقود، أشار التقرير إلى أن القوى الغربية سعت إلى تشكيل البنية السياسية للمنطقة، أحيانًا عبر تدخلات عسكرية مباشرة، كما هو الحال في العراق وأفغانستان، وأحيانًا عبر تحالفات استراتيجية مع حكومات إقليمية، وأحيانًا عبر ضغوط اقتصادية وعمليات سرية. وغالبًا ما تم تبرير هذه التدخلات رسميًا بمصطلحات الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب.

 

لكن قال إن ثمة حقيقة أساسية لطالما عقدت هذه الطموحات: العالم الإسلامي واسع ومتنوع ومجزأ سياسيًا.

 

وأوضح التقرير أن أبرز انقسام في هذا العالم هو الانقسام التاريخي بين الإسلام السني والشيعي. والذي تطور تدريجيًا عبر القرون إلى تنافس ديني وسياسي شكّل الديناميكيات الداخلية للعالم الإسلامي.

 

وفي الشرق الأوسط المعاصر، اتخذ هذا الانقسام شكلاً جيوسياسيًا. فمن جهة تقف قوى ذات أغلبية سنية كالمملكة العربية السعودية وعدد من دول الخليج. ومن جهة أخرى تقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية ذات الأغلبية الشيعية، التي برزت بعد الثورة الإيرانية عام 1979 كقوة دينية وجيوسياسية تنافس النفوذ الغربي في المنطقة.

 

انقسام العالم الإسلامي 

 

بالنسبة للقوى الخارجية الساعية إلى النفوذ في الشرق الأوسط، اعتبر التقرير أن هذا الانقسام يمثل تحديًا وفرصة في آن واحد. فوجود كتلة جيوسياسية إسلامية موحدة - تمتد من شمال أفريقيا إلى آسيا الوسطى - سيمنحها قوة ديموغرافية هائلة، وموقعًا جغرافيًا استراتيجيًا، وسيطرة لا مثيل لها على إمدادات الطاقة العالمية.

 

لكن العالم الإسلامي المجزأ أسهل بكثير في التأثير عليه والتلاعب به واحتوائه.

 

وهنا يبرز الدور الاستراتيجي لإسرائيل في المعادلة، التي اعتبرعا التقرير لا تُعدّ مصدرًا لعدم الاستقرار الإقليمي بقدر ما هي نقطة إشعال في مشهد جيوسياسي شديد الاشتعال. وقد دفع الصراع المستمر مع إيران هذا المشهد نحو حرب إقليمية.

 

مع ذلك، أكد أن إيران ليست العراق، "إنها ليست دولة هشة يمكن أن تنهار تحت وطأة غزو سريع"، ووصفها بأنها "مؤسسة أيديولوجية بُنيت على مدى أربعة عقود من العقيدة الثورية. يبلغ تعداد سكانها قرابة تسعين مليون نسمة، ولديها جهاز أمني راسخ، وترسانة صاروخية هائلة، وشبكة معقدة من الحلفاء الإقليميين والجماعات الوكيلة".

 

يشمل ذلك حزب الله في لبنان، والميليشيات في العراق، وسوريا إلى الحوثيين في اليمن، حيث أمضت طهران عقودًا في بناء ما يصفه المحللون غالبًا بـ "الهلال الشيعي" - وهو ممر نفوذ يمتد من الخليج العربي إلى البحر الأبيض المتوسط.

 

بالنسبة لإسرائيل وحلفائها الغربيين، تمثل هذه الشبكة المتنامية تهديدًا استراتيجيًا لا يمكن تجاهله. ومع ذلك، فإن المواجهة المباشرة مع إيران تنطوي على مخاطر جسيمة، بحسب ما يشير التقرير. 

 

الحرب الشاملة مع إيران والحرب على العراق وليبيا

 

وذكر أن الحرب الشاملة مع إيران لن تشبه الحملات السريعة التي شهدناها في العراق أو ليبيا، بل من المرجح أن تتحول إلى صراع طويل الأمد وغير متوقع يمتد عبر جبهات متعددة.

 

ولهذا السبب، تطور الصراع على مر السنين بشكل متزايد من خلال وسائل غير مباشرة - الضربات المستهدفة، والحرب السيبرانية، والعقوبات، والمعارك البحرية الخفية، والمواجهات بالوكالة.

 

لكن ضمن هذه البيئة الاستراتيجية يكمن عامل مسرّع خطير: الهوية الطائفية.

 

كل مواجهة تشمل جماعات موالية للشيعة تُعزز مخاوف السنة من التوسع الإيراني. وكل ضربة مدعومة غربيًا ضد المصالح الإيرانية تُرسخ الروايات السائدة داخل المجتمعات الشيعية بأن المنطقة تشهد محاولة منسقة لقمع النفوذ الشيعي. تدريجيًا، يبدأ الصراع الجيوسياسي في تشبيهه بمواجهة طائفية.

 

ويتزايد إدراك الفاعلين السنة والشيعة لبعضهم البعض ليس كمنافسين سياسيين فحسب، بل كخصوم وجوديين، وإذا استمر هذا المسار، فإن العالم الإسلامي يُخاطر بالانزلاق إلى فترة طويلة من التشرذم الداخلي، في دوامة من الصراعات التي تُنهك المجتمعات الإسلامية نفسها في خوض معارك دينية داخلية، وفق التقرير.

 

ورأى أن المفارقة المأساوية هي أن المستفيدين النهائيين من هذا التشرذم سيكونون على الأرجح قوى خارجية، "فالشرق الأوسط المنقسم أسهل في التأثير عليه، وأسهل في الحفاظ على القواعد العسكرية، وتشكيل التحالفات، وإدارة تدفقات الطاقة، عندما تبقى الجهات الفاعلة الإقليمية منخرطة في تنافس فيما بينها".

 

حملة صليبية حديثة

 

وقال التقرير إنه إذا بدأت شعوب الشرق الأوسط في النظر إلى المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران على أنها حملة صليبية حديثة - مواجهة حضارية بين القوة الغربية والعالم الإسلامي - فإن كل ضربة صاروخية، وكل حصار بحري، وكل عملية اغتيال مستهدفة ستعمق هذا التصور.

 

ووفقًا لهذه الرؤية: "تحمل روايات الحروب الصليبية والمقاومة قوة عاطفية هائلة في المجتمعات التي لا تزال فيها الهوية الدينية راسخة في الذاكرة الثقافية. وبمجرد أن تترسخ هذه الروايات، فإنها تميل إلى أن تصبح نبوءة تحقق ذاتها".

 

وقال إن العواصم البعيدة مثل واشنطن أو بروكسل لن تكون هي الضحايا الأكبر لهذا الوضع، بل ستكون مدن الشرق الأوسط نفسها. فعندما تندلع الحروب الطائفية في المنطقة، فإن اقتصادات ومؤسسات ونسيج المجتمعات الإسلامية هي التي تحمل أعمق الجراح.

 

https://www.republicworld.com/opinion/the-middle-east-war-a-modern-crusade-by-other-means